كيف تزداد ثقتي بالرب

Hits: 810

كيفَ تزدادُ ثِقَتي بالرّبِّ؟- بقلم: ليث مقادسي

يصفُ لنا الكتابُ المقدسُ ثلاثَةَ أنواعٍ منَ الإيمانِ: الحارُّ، الفاترُ والباردُ. وقد بيَّنَ لنا الربُّ أنَّهُ مُزمِعٌ أنْ يتقيَّأَ الفاتِرَ، لماذا؟ لأنّ برودَ البارِدِ يحصَلُ نتيجَةَ ابْتِعادِهِ عنِ الرّبِّ بإرادَتِهِ وهذا شيءٌ يحترِمُهُ اللهُ لأنّهُ خَلَقَنا أحرارًا في اتِّخاذِ قراراتِنا ولكنَّهُ سيكونُ حزينًا بهذا الابتعادِ ويبقَى ساعِيًا لإرجاعِهِ لأحضانِهِ الدّافئَةِ، أمّا الحارُّ فإنّهُ يستَمِدُّ حرارَتَهُ مِن قُربِهِ منَ الربِّ لأنهُ مكتوبٌ أنَّ إلَهَنَا نارٌ آكِلَةٌ والربُّ يكونُ مسرورًا جدًّا بسَكْبِ حرارَةِ محبَّتِهِ مِن خلالِ روحِهِ القُدّوسِ على مثلِ هؤلاءِ بشكلٍ يومِيٍّ.

المشكلةُ تكمُنُ عندَ الفاتِرينَ، لأنَّ هؤلاءِ يكونونَ مُتَلَوِّنينَ كالحرباءِ وتصعُبُ الثّقَةُ بهِمْ، اللهُ جادٌّ جدًّا في عَلاقَتِهِ معَنَا وهو لا يستطيعُ إبقاءَ علاقَةٍ معَ شَخصٍ يُبارِكُهُ اليومَ, ويسعَى جاهدًا إلى الغِنَى وتعظُّمِ المعيشَةِ في اليومِ التّالي، لأنَّ مثلَ هؤلاءِ يَستخدِمونَ اللهَ لِتحقيقِ مَصالِحِهِمْ ولا يضعونَ المحبَّةَ أساسًا لتلكَ العَلاقَةِ، مثلُ هؤلاءِ لَن يَستطيعوا بِناءَ ثِقَةٍ راسِخَةٍ بالربِّ لأنّهُم لم يَتَلَمَّسُوا دِفْءَ محبَّتِهِ الحقيقيَّةِ، هُم يَستشعِرونَها لفَتراتٍ مُحدَّدَةٍ، أثناءَ نهضَةٍ روحِيَّةٍ، صلاةٍ مُؤَثِّرَةٍ أو ترنيمَةٍ مُعزِّيَةٍ ولكنَّهُم سُرعانَ ما يعودونَ لِنَسَقِ حياةِ الفُتورِ.

في فترةٍ مِنَ الفتراتِ عَمَلتُ معَ شركَةٍ محلّيَةٍ عمَلًا جُزئيًّا، أي كانوا يتّصلونَ بي عندَ الحاجَةِ، ولم يكن مطلوبًا مني الذَّهابَ للعَمَلِ بِشَكلٍ يومِيٍّ، ولكني بعدَ حينٍ وجدتُ أنَّ مديرَ هذِهِ الشّركَةِ غيرُ مُهتَمٍّ بترسيخِ علاقَةٍ طويلَةِ الأمَدِ بل هو مُهتمٌّ فقط لتأمينِ مصلحَتِهِ الشّخصيَّةِ حينما يكونُ بحاجَةٍ إليَّ، هذا الشيءُ استشعرتُهُ مِن خلالِ مواقِفَ مُتَعدِّدَةٍ، مما قادَني لقَطعِ علاقَتي معَهُم. أثناءَ فترةِ عملِي معَهُم كانت ثقتي مُتزعزعَةً بوقوفِ تلكَ الشركَةِ بجانبي إنْ حصلَ حادثٌ في العملِ، بينما الذي يعمَلُ مع شركَةٍ رصينَةٍ تهتمُّ ببناءِ علاقَةٍ متينَةٍ مع الموظَّفِ وتَسعَى لِتَرقِيَتِهِ بينَ الحينِ والآخَرِ فتَتَعزَّزُ ثقتُهُ بوقوفِ تلكَ الشّركَةِ معَهُ في الأوقاتِ الصّعبَةِ.

متى نعرِفُ رصانَةَ عَلاقَتنِا معَ اللهِ؟ الجوابُ هوَ حينَما نُدرِكُ خُطَّتَهُ لحياتِنا وَنَسعى بها. أبونا إبراهيمُ اخْتَبَرَ هذا الشيءَ حينَما كَلَّمَهُ الربُّ قائلًا: "لا تَخَفْ يا أبرامُ.أنا تُرسٌ لكَ.أجرُكَ كثيرٌ جِدًّا" تكوين ١٥: ١ ما أجمَلَ هذا الوعدَ الذي يأتي مِن مَلِكِ الملوكِ ورَبِّ الأربابِ، فهل تَسعى لمثلِ هكذا عَلاقَةٍ؟ كُلُّ الذي فعلَهُ إبراهيمُ للحُصولِ على هذا الوَعدِ أنَّهُ انْقادَ بروحِ الرّبِّ بإيمانٍ راسِخٍ بعدَ أن تغيَّرَ عن شكلِهِ بتجديدِ ذِهنِهِ. هذا التغييرُ طبّقَهُ عَمَلِيًّا حينَما تركَ أهلَهُ ومدينَتَهُ ساعِيًا لمجدٍ لا يزولُ وعَلاقَةٍ متينَةٍ معَ الرّبِّ.

في يومٍ منَ الأيّامِ كان هناكَ رجلٌ أرملٌ، قام بتعيينِ امرأةٍ لتعتَنِيَ بأولادِهِ، فأعطاها قائِمَةً طويلَةً من التّعليماتِ مُرافَقَةً بالتحّذيراتِ مِنَ الخَطأِ، لماذا؟ لأنّ الثقةَ غيرُ متوفرَةٍ كونُها حديثَةَ العَلاقَةِ معهُم. فكانتْ تعمَلُ بِقَلَقٍ وخوفٍ، ولكِنْ بعدَ مدّةٍ وقعَ هذا الشّخصُ في غَرامِ تِلكَ المرأَةِ. بعدَ زواجِهِما، نلاحظُ أنَّ اهتمامَها بأولادِهِ قد أصبحَ مُضاعَفًا لأنَّ العَلاقَةَ تغيّرَتٍ من تَأدِيَةِ واجِبٍ إلى السّعْيِ الدّؤوبِ لإسعادِ حَبيبِها وهوُ مِن طَرَفِهِ لم يَعُدْ قَلِقًا على جَودَةِ العِنايَةِ بأولادِهِ لأنَّ الثّقَةَ قد تَعزّزَتْ بشكلٍ كبيرٍ كونُ حَرارَةِ إيمانِ اَحَدِهِم بالآخَرِ قد أصبحَتْ كبيرَةً.

نقرَأُ عنِ النبي دانيالَ حينَما كان مَسبِيًّا في أرضِ بابِلَ، أنَّهُ لم يَمتَنِعْ عَنِ الصّلاةِ وقَضاءِ أوقاتٍ حَميمَةٍ معَ الرّبِّ حتّى في الأيّامِ التي كانَ فيها تهديدٌ على حياتِهِ, وبالفعلِ قادَهُ هذا الشيءُ لأنْ يُرمَى في جُبِّ الأُسودِ ليفتَرِسوهُ. هل كانَ دانيالُ مختَلَّ العقلِ لِيُعَرِّضَ نفسَهُ للموتِ؟ أم مُتهوِّرًا؟ كلا ... بل درجَةُ حرارَةِ إيمانِهِ كانتْ عالِيَةً جدًّا ما أعطاهُ ثقَةً كبيرةً جدًّا بمن مَعَهُ، فحصَلَ على مُعجِزَةٍ تمثَّلَت بسَدِّ أفواهِ الأسودِ مِن قبَلِ الرّبِّ فلَمْ يَقترِبُوا منهُ.

لماذا يحصَلُ الفُتورُ؟ حينَما يتعلّقُ الإنسانُ بالأرضِيّاتِ؛ لذلك يوصِينَا الإنجيلُ المقَدَّسُ بفكِّ أيِّ رِباطٍ يجُرُّنا للدُّنيَوِيّاتِ، كيفَ؟ مِن خِلالِ وَضعِهِ بكفَّةِ ميزانٍ معَ الأمجادِ السّماوِيَّةِ الـمُعَدَّةِ للمُتَحرِّرينَ مِن تلكَ الرّباطاتِ، وهذِهِ تبدَأُ مِن خلالِ القِراءَةِ عَن تلكَ الأمجادِ في الإنجيلِ المقدّسِ واستيعابِها لكي نستطيعَ عيشَها. واحدةٌ منَ الرّباطاتِ الأساسيةِ هي المالُ وتعظّمُ المعيشَةِ، فحينما أقرأ قولَ الربّ يسوعَ المسيحِ الذي قال: "إِنَّ مُرُورَ جَمَلٍ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللَّهِ" متى ١٩: ٢٤ ستُحفّزُني هذهِ القراءَةُ في البحثِ عنِ المزيدِ. وحيثُ أنَّ الربَّ في مكانٍ آخَرَ بَيَّنَ لنا أنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ أن يخدِمَ سيّدَينِ، أمّا المالَ أوِ اللهَ، لذلكَ دعانا لبُغضِ وَاحتقارِ المالِ. ولكنْ يسأَلُ سائِلٌ: كيفَ سأعيشُ؟ يرُدُّ الربُّ يسوعُ المسيحِ قائلا: "اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟ متى ٦: ٢٦ أي إنْ كنَّا نخدِمُ اللهَ مِن كُلِّ القلبِ وبحرارَةِ إيمانٍ عالِيَةٍ فإنَّ ثقَتَنا بجُودِهِ وتأمينِ كافَّةِ احْتياجاتِنا ستكونُ عاليَةً جدًّا.

طولُ فترَةِ العَلاقَةِ معَ الرّبِّ تُعزّزُ الثّقَةَ ...

إن سألكَ احَدُهُم، منذُ مَتى تعرِفُ الرّبَّ، فبماذا تُجيبُ؟ أنا شخصيًّا تَلامَستُ مَعَهُ منذُ طُفولَتي حينَما كنتُ أذهبُ إلى الكنيسَةِ مع والدَتِي، رَحِمَها اللهُ، لم يكُن ذَهابي لِحُضورِ صلاةِ يومِ الاحَدِ فحسْبُ، بل للحديثِ معَ الرّبِّ آخِذًا جُرعَةً روحِيَّةً تملَأُني بِسَلامِهِ فكنتُ أختبرُ قُوَّتَها في حياتي العملِيَّةِ مِن خلالِ اخْتبارِ مُعجِزاتٍ وقُوّاتٍ، كانَت ثقتي تَنمُو معَ نموِّ عَلاقَتي بِهِ.

نقرأُ عن داودَ الملِكِ أنَّهُ بادَرَ لمحاربَةِ جُندِيٍّ عِملاقٍ جاءَ يطلُبُ مَن يقاتِلُهُ ليُعَيِّرَ الشّعبَ العِبرانِيَّ لاحِقًا بهزيمَتِهِ كونُهُ كانَ واثِقًا مِنَ النّصرِ، فتقدّمَ إليهِ داودُ قائلا: "أَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ بِسَيْفٍ وَبِرُمْحٍ وَبِتُرْسٍ. وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ بِاسْمِ رَبِّ الْجُنُودِ إِلَهِ صُفُوفِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ عَيَّرْتَهُمْ. 46هَذَا الْيَوْمَ يَحْبِسُكَ الرَّبُّ فِي يَدِي فَأَقْتُلُكَ وَأَقْطَعُ رَأْسَكَ. وَأُعْطِي جُثَثَ جَيْشِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ هَذَا الْيَوْمَ لِطُيُورِ السَّمَاءِ وَحَيَوَانَاتِ الأَرْضِ، فَتَعْلَمُ كُلُّ الأَرْضِ أَنَّهُ يُوجَدُ إِلَهٌ لإِسْرَائِيلَ. 47وَتَعْلَمُ هَذِهِ الْجَمَاعَةُ كُلُّهَا أَنَّهُ لَيْسَ بِسَيْفٍ وَلاَ بِرُمْحٍ يُخَلِّصُ الرَّبُّ، لأَنَّ الْحَرْبَ لِلرَّبِّ وَهُوَ يَدْفَعُكُمْ لِيَدِنَا" ١صموئيل ١٧: ٤٥-٤٧

مِن أينَ حصَلَ داوُدُ على تلكَ الْجُرأَةِ؟ مِن عَلاقَتِهِ الطّويلَةِ معَ الرّبِّ، كونُهُ اخْتَبَرَ انْتِصاراتٍ على أسودٍ ودِبَبَةٍ أثناءَ رِعايَتِهِ لِقطيعِ أغنامِ أبيهِ فكانَ واثِقًا بالنّصرِ حتّى إنَّهُ لم يَلبَسِ الدِّرعَ لحمايَةِ نفسِهِ مِن هذا العملاقِ المحارِبِ بل جاءَهُ بمِقلاعٍ، مما جعلَ ذلكَ المحاربَ يَهزَأُ منهُ. تلكَ الثّقَةُ تَعامَلَ مَعَها الرّبُّ بمُعجِزَةٍ، فأصابَ داودُ جَبهَةَ المقاتِلِ مِن أوّلِ رَميَةٍ، وما إنْ سَقَطَ إلّا وأجهَزَ عليهِ.

حينَما قررتُ الخروجَ مِن دائِرَةِ العَمَلِ لدَى الآخَرينِ والعملَ لِحسابي الخاصِّ واجَهَتْني الكثيرُ منَ المصاعِبِ الماليَّةِ في بِدايَةِ تأسيسي لشركَتِي الخاصّةِ، وكنتُ أقلَقُ كثيرًا ولكِنْ معَ الوقتِ زادَتْ ثِقَتي بالرّبِّ الّذِي كانَ دَومًا يُطَمئِنُنِي بِقُربِهِ مِنّي وإنّهُ هو الّذي يُمطِرُ على الصّالحين والطّالِحينَ وهو الذي يُطعِمُ الطُيورَ، لذلكَ كلُّ الذي عليَّ فِعلُهُ هو العَمَلُ لصالِحِ مَلكوتِ السّماءِ مِن خِلالِ شَركتي الجديدَةِ وتركِ الباقي عليهِ، فجعَلَني لا أهتَمُّ للتّسويقِ حيثُ كانَ يُرسِلُ لِيَ الزبائِنَ واحِدًا تِلوَ الأخَرَ كي يكونَ لدَيَّ الوقتُ للاهتِمامِ بِعَمَلِهِ. وُصولي لهذِهِ المرحَلَةِ جاءَ بسببِ طولِ فترَةِ عَلاقَتي معَ الربِّ وتذكُّري لِتعامُلاتِهِ السّابقَةِ.

هناكَ شخصِيَّةٌ كتابيّةٌ اسمُهُ جِدعونُ كانَ في حُقْبَةٍ زمَنِيَّةٍ صعبَةٍ، حيثُ أنَّ الشّعبَ العِبرانِيَّ كانَ قَدِ ابتَعَدَ عَنِ الرّبِّ وباتَ مُستعبَدًا لقومٍ يُدعَونَ المِديانيينَ، فَصرَخُوا إلى الربِّ ليُنقِذَهُم، فجاءَ ملاكُ الربِّ إلى جِدعونَ ليبشرَهُ بخلاصِ الربِّ مِن خلالِهِ، هذا الرجلُ كانَ حديثَ التّلامُسِ معَ الربِّ، فنلاحِظُهُ كانَ خائِفًا مِن تَنفيذِ تِلكَ الوُعودِ بسبَبِ قِصَرِ فَترَةِ العَلاقَةِ، فكانَ يطلُبُ التّأكيداتِ بشكلِ مُعجِزاتٍ ليَطمَئِنَّ قلبُهُ، إلى أن تعززَتِ الثّقَةُ وحقَّقَ الربُّ النصرَ مِن خِلالِهِ.

هل أنتَ واثِقٌ بمكانِ أبَدِيَّتِكَ؟ هل تَثِقُ أنَّ الذي أقامَ الربَّ يسوعَ المسيحِ مِنَ الأمواتِ قادِرٌ على إقامَتِكَ أيضًا إنْ سعَيتَ للامتلاءِ لِقامَةِ مِلءِ المسيحِ؟ إن كنتَ غيرَ متأكِّدٍ فصلِّ مَعي ... مبارَكٌ أنتَ يا ربُّ، يا مَن أعددتَ خَلاصًا عظيمًا لكلِّ مَن يؤمِنُ، أنا لا أزالُ مُتَحيِّرًا في الكثيرِ مِنَ الْجَوانِبِ الّتي تخُصُّ مَصيرِيَ الأبَدِيِّ، اقْتَرِبْ مِنّي أكثرَ يا اللهُ، ساعِدْني لكي أعرِفَكَ بشكلٍ أعمقَ فتتعزَّزَ ثقَتي بكافَّةِ جوانِبِ الإيمانِ.

دعانا الربُّ قائِلًا "اسألوا تُعطَوا. اطلُبُوا تَجِدُوا. اقرَعُوا يُفتَحْ لَكُمْ. متى ٧:٧" وإنْ سألْنا اللهَ عَنِ السّماوياتِ فَإنَّهُ سيسكُبُ علَينا حِكمَتَهُ الّتي دعانا يعقوبُ الرّسولُ لِطَلَبِها حين قال: "وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللَّهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ. يعقوب ١: ٥" الّذي يحصَلُ على حكمَةِ اللهِ سيتعرَّفُ على طريقَةِ تفكيرِهِ تُجاهَنا، وبالتّالي لن يبقَى لِلشّكِّ والحَيْرَةِ مكانًا في كِيانِهِ.

تَذَكُّرُ أعمالِ الربِّ السّابقَةِ يُعزِّزُ الثّقَةَ ...

نصَحَ الربُّ يسوعُ المسيحُ الْجَميعَ بتذَكُّرِ أعمالِهِ كَي يَثِقُوا إنَّهُ اللهٌ الظّاهِرُ بِالْجَسَدِ. لنستَمِعَ لهذِهِ القِصّةِ: "فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضاً حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. فَقَالَ يَسُوعُ: «أَعْمَالاً كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي - بِسَبَبِ أَيِّ عَمَلٍ مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي؟» أَجَابَهُ الْيَهُودُ: «لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَلٍ حَسَنٍ بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلَهاً» أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَلَيْسَ مَكْتُوباً فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟ إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ لأَنِّي قُلْتُ إِنِّي ابْنُ اللَّهِ؟ إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي فلاَ تُؤْمِنُوا بِي. وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ». يوحنا ١٠: ٣١-٣٨"

في مرّةٍ مِنَ المرّاتِ كانَ لِصَديقِيَ زبونٌ قامَ بِإجراءِ خَدَماتٍ لَهُ أثناءَ تَأسيسِ مَطعَمِهِ الْجَديدِ، ولكِنْ بَعدَ حينٍ لم يَكُنِ الأخيرُ قادِرًا على تَسديدِ أتعابِ الأولِ كونُهُ لا يَزالُ غيرَ معروفٍ ويحتاجُ إلى وقتٍ. الذي كانَ يجولُ في فِكرِ صَديقِي هو تقديمُ الربِّ يسوعَ المسيحَ في كُلِّ تصرّفٍ، فكانَ يُطَمئِنُهُ دومًا بِإنَّ الموضوعَ بسيطٌ جدًّا ومتى اسْتطاعَ التّسديدَ فَلْيُسَدِّدْ وإنْ جاءَ وقتٌ شَعَرَ فيه بِعجزِهِ التّامِّ فإنّهُ سيُسامِحُهُ بالمتبقّي. هذا التّصرُّفُ عزَّزَ الثّقَةَ بشكلٍ كبيرٍ، بعدَ مُدَّةٍ قامَ احَدُ المقرّبينَ مِن صاحِبِ المطعَمِ بتقديمِ مُقتَرَحِ إضافَةِ خِدمَةٍ جديدَةٍ مِنِ اختصاصِ صَديقِي, هذا الشخصُ كانَ باستطاعَتِهِ القيامَ بتلكَ المهِمَّةِ، ولكِنَّ صاحِبَ المطعَمِ تجاهَلَ هذا الشّخصَ الجديدَ المقرَّبَ منهُ وتوجَّهَ لِصَديقِي لِكَي ينجِزَ لَهُ تِلكَ المهِمَّةَ، لأنَّهُ تَذَكَّرَ مَواقِفَهُ السّابِقَةَ فأكرَمَهُ بهذِهِ الصّفقَةِ.

اللهُ، منذُ أنِ ابتَدَأَ العهدُ معَ الشّعبِ العِبرانِيِّ أوصاهُم أنْ يَتَذَكَّرُوا دائماً أعمالَهُ مِن خِلالِ طُقوسٍ مُعَيَّنَةٍ حتى إنْ سألهم أولادُهُم عَنها يُذَكِّرونَهُم بما صَنَعَهُ اللهُ مَعَهُم حينما أخرجَهُم مِن أرضِ مِصرَ التي كانتْ لهم أرضَ العُبُودِيّةِ، ولماذا هذا التّذكيرُ، كي يتقوَّى إيمانُهُم ويثِقُوا بوقوفِهِ الدّائِمِ بجانِبِ كُلِّ مَن يَثبُتُ قلبُهُ نحوَهُ. الكثيرُ مِنَ الطّوائِفِ المسيحيَّةِ تمنَحُ المعمودِيَّةَ للأطفالِ بناءً على إيمانِ والدِيهِم، فيكونُ الإشبينُ مؤتَمَناً على إيصالِ هذا الايمانِ للطّفلِ حينَما يكبُرُ ويُذَكِّرُهُ بالوُعودِ الّتي قيلَتْ بالنِّيابَةِ عنهُ لِكَي يفهَمَ المغزَى الرّوحِيَّ فيقومَ بِعَيشِهِ (أظن أن نقول: لِكَي يَفهَمَ المغزَى الرّوحِيَّ فَيَجعَلَهُ هُدًى لِحَياتِهِ). للأسَفِ هذا الشيءُ لم يُطَبَّقْ بِجِدِّيَّةٍ ففَقَدَ الكثيرونَ فاعِلِيَّةَ عَمَلِ الرّوحِ القُدُسِ في حياتِهِم.

حينَما دعاني اللهُ للعمَلِ في حَقلِهِ العظيمِ أخرَجَني مِن دائِرَةِ اخْتِصاصِي الّذِي دَرستُهُ، وجَعَلَني أبتَدِئُ عَملًا كنتُ أمارِسُهُ في السّابِقِ كهِوايَةٍ ولكِنّي كنتُ أتميّزُ فيهِ عَلى طولِ الخطِّ، ولكِنْ في الأوقاتِ الّتي سبقَتْ إطلاقَهُ لي في خِدمَتي الرّئيسَةِ كان عَمَلِي مُتَذَبذِبًا وكانَت تُفتَحُ لي أبوابٌ للعودَةِ لاختصاصِي ولكِنّي كنتُ أتحسَّسُ إغلاقَ الرّبِّ لِذَلكَ البابِ ويُطَمئِنُنِي وأنا أتذَكَّرُ عنايَتَهُ المُعجِزِيَّةِ لي ولعائِلَتي مُنذُ أنِ ابتَدَأتُ ذلكَ العَمَلَ، فكانَت ذاكِرَتي تُطَمئِنُنِي وتُقَوّيني دائِماً.

اَحَدُ أسبابِ تزعزُعِ ثِقَةِ بعضِهِم بالرّبِّ هي تزعزُعُ ثقَتِهِم بأنفُسِهِم. موسى النبيُّ اخْتَبَرَ هذا الشيءَ حينَما دعاهُ اللهُ ليُكلِّمَ فِرعَونَ، فأجابَهُ قائلا: "لَسْتُ أَنَا صَاحِبَ كَلاَمٍ مُنْذُ أَمْسِ وَلاَ أَوَّلِ مِنْ أَمْسِ وَلاَ مِنْ حِينِ كَلَّمْتَ عَبْدَكَ بَلْ أَنَا ثَقِيلُ الْفَمِ وَاللِّسَانِ». 11فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «مَنْ صَنَعَ لِلْإِنْسَانِ فَماً أَوْ مَنْ يَصْنَعُ أَخْرَسَ أَوْ أَصَمَّ أَوْ بَصِيراً أَوْ أَعْمَى؟ أَمَا هُوَ أَنَا الرَّبُّ؟. خروج ٤: ١٠-١١" أصرَّ موسى على عَدَمِ الحديثِ لِفِرعَونَ بنفسِهِ بل طَلَبَ مُعينًا على الرّغمِ مِن تَطميناتِ الربِّ لَهُ. هنا موسى لم يكُنْ لَهُ رصيدٌ مِنَ التّعامُلاتِ معَ الرّبِّ فلَمْ تَستَطِعْ ذاكِرَتُهُ أنْ تُعينَهُ كثيرًا.

هل ثقَتُكَ تامّةٌ بِأَبَدِيَّتِكَ؟ هل أنتَ متأكّدٌ بأنكَ ستقضيها بقُربِ الربِّ؟ إن كانَ الْجَوابُ كَلّا، تَذَكَّرْ أقوالَ الربِّ يسوعَ المسيحِ، اِفهَمْها وَعِشهَا، لأنّهُ قالَ: "فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هَذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا أُشَبِّهُهُ بِرَجُلٍ عَاقِلٍ بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ. متى ٧: ٢٤" ما الذي قالَهُ الربُّ يسوعُ المسيحُ عَن نفسِهِ؟

أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، يَقُولُ الرَّبُّ الْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. رؤ ١: ٨

أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي. يوحنا ١٤: ٦

قَالَ لَهَا يَسُوعُ: أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا. يوحنا ١١: ٢٥

أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ. يوحنا ١٠: ١١

أَنَا هُوَ الْبَابُ. إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعًى. يوحنا ١٠: ٩

أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ. يوحنا ٨: ١٢

كيف تتعزّزُ ثقتُنا بِالأبدِيَّةِ؟ حينَما نتذكَّرُ أنَّ الربَّ يسوعَ المسيحِ حَيٌّ الآنَ بالنّفسِ والْجَسَدِ مَلِكًا في مَلكوتِ السّماءِ، وإن كانَ ملِكًا فهو أزلِيٌّ إذًا هو الألِفُ وهو الذي سيأتي في نهايَةِ الزّمانِ، إذًا هو الياءُ، هو الطّريقُ الوحيدُ الّذي يجعَلُنا نقترِبُ مِنَ اللهِ الآبِ بشكلٍ يومِيٍّ وهذا الشيءُ ستَختَبِرُهُ عزيزي المستمِعَ حينَما تُمَلِّكُهُ قلبَكَ وتكونُ خاضِعًا بالكامِلِ لمشيئَتِهِ، هو القِيامَةُ والحياةُ حينما أتذَكَّرُ أنّهُ قامَ مِن بينِ الأمواتِ ليُعطينا نفسَهُ مِثالًا ويكونَ باكورَةَ الرّاقِدينَ، هوَ الرّاعي الصالِحُ الذي يبذُلُ نفسَهُ عَنِ الخِرافِ حينَما أتذكّرُ كيفَ أنّه أسلَمَ نفسَهُ للموتِ ولم يَدَعْ اَحَدًا يَمَسُّ تلاميذَهُ. هو البابُ حينَما أتذكّرُ قولَهُ لِلِّصِّ الذي آمنَ بِهِ وكانَ مَصلوبًا بجنبِهِ: "اليومَ تكونُ مَعِي في الفَردَوسِ. لوقا ٢٣: ٤٣"، هُوَ نورُ العالَمِ. حينَما أتذكّرُ أنّهُ فتحَ بَصيرَةَ شاؤولَ الطَّرسوسِيَّ الذي كان يفتُكُ بالمسيحِيَّةِ ليجعَلَهُ بولُسَ، أعظمَ رُسُلِ المسيحِ، ثمّ قالَ عن نفسِهِ: "أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ. يوحنا ٦: ٥١" أتذكّرُ هذا الشّيءَ حينَما اَتأمّلُهُ مُعَلّقًا على الصّليبِ، يُصَلّي ويَغفِرُ للمُسيئينَ لَهُ.

قِراءَةُ الانجيلِ المقدّسِ بعُمقٍ وتحليلٍ سَتَجعَلُنا نُنَفِّذُ قولَ الربِّ ونؤسِّسُ حياةً روحِيّةً على الصّخرِ فننعُمُ بَبَركاتٍ وأكاليلَ أزلِيَّةٍ. لأنّكَ مؤتَمَنٌ عزيزي المستمعَ المسيحِيَّ على المتاجَرَةِ بالوَزَناتِ التي خَلَقَكَ اللهُ لِتُتاجِرَ بها بِأَمانَةٍ كونُكَ تَرى العَالَمَ مِن حولِكَ بِانحِدارٍ وكيفَ أنَّ آلافَ البشَرِ يَهلِكُونَ روحِيًّا بشكلٍ يومِيٍّ لأنّنا لم نَضَعْ أيدينا بِيَدِ الربِّ ونَسعَى بِاجْتهادٍ لإيصالِ أخْبارِ مَلَكوتِ السّماءِ لهم, فهل نُقَرِّرُ الالتفاتَ مِن هذا العالَمِ إلى الربِّ في هذا اليومِ؟

دُمتُمْ في أمجادِ الملكوتِ