التشجيع

Hits: 1010

التّشجيعُ - بقلم ليث مقادسي

 

لا يوجَدُ إنسانٌ على وجهِ الأرضِ لا يحتاجُ للتّشجيعِ في أوقاتٍ معَيّنَةٍ مهما كانَ مركَزُهُ وثروَتُه، كونُ النّفسِ الإنسانيّةِ تميلُ بطبيعَتِها للتّشاؤُمِ والخَوفِ. نقرأُ في سِفرِ المُلوكِ الثّاني الأصحاحِ الأولِ عنِ النّبيِّ إيليا كيف كانَ مُحتاجاً للتّشجيعِ لِلِقاءِ المَلِكِ وإخبارِهِ بقَضاءِ الرّبِّ. إذ كانَ مَرتَعِباً وهو يجلِسُ على قِمّةِ الْجَبَلِ ويستخدِمُ قوّةَ المَلكوتِ لإهلاكِ مُرسَلِي المَلِكِ الّذينَ كانوا يُنادونَهُ للنّزولِ لغرَضِ لقاءِ المَلِكِ، لحينِ استِماعِهِ لِصَوتِ ملاكِ الرّبِّ (الربُّ يسوعُ المسيحُ قبلَ التّجَسّدِ) ليقولَ لَهُ: [انْزِلْ مَعَهُ. لاَ تَخَفْ مِنْهُ] ٢ ملوك ١: ١٥"


قبلَ أيّامٍ كنتُ جالِساً في جَلسَةٍ عائليّةٍ، وأثناءَ الحديثِ عن أمورٍ روحِيّةٍ استشعَرتُ بالرّوحِ صِغَرَ نَفسٍ عندَ أحدِ رِجالِ الأعمالِ الذي كانَ قَدِ استَخدَمَهُ اللهُ في الماضِي بموقِفٍ لا يَعلَمُ بِه أيُّ شخصٍ غيري ولا حتى هُوَ، فاستشعَرتُ أنَّ الرّبَّ راغِبٌ بتشجيعِهِ بإخبارِهِ أنّهُ كانَ هو مَنِ استَخدَمَهُ في ذلكَ الموقِفِ. أعزائي ... المطَمئِنُ والمُشَجِّعُ هو شخصُ الرّبِّ يسوعُ وكلُّ إنسانٍ يسلِكُ بالرّوحِ سيمتَلِئُ مِن تلكَ الصّفَةِ مع الوقتِ لأنَّ غايَةَ المُشَجِّعِ هي بناءُ الآخَرِ عكسَ المُشتَكِي والذي يُوَسوِسُ الذي غايَتُهُ الهَدمُ.


الأبُ الصّالِحُ دائِمُ التّشجيعِ لأولادِهِ. أنا أذكُرُ كَم كانَ والِدي يُشَجِّعُني أوقاتَ الدّراسَةِ. ما الذي كان يُذَكّرُنِي بهِ وقتَ التّشجيعِ؟ كان يُريني المستقبَلَ وأنا لا أزالُ طالِباً، فكانَ يُزيلُ كُلَّ مشاعِرِ الخَوفِ والقلقِ ويستَبدِلُها بمشاعِرِ النّصرِ، هو بالحقيقَةِ كانَ يتنبّأُ على مُستَقبَلِي. نفسُ الشيءِ يصنَعُهُ الربُّ معنا حينَما نصَلّي ونحنُ مُنكسِرِي الرّوحِ. نلاحِظُهُ يرفَعُنا للسّماوِيّاتِ ويُرينا مركَزَنا بِه، يتكَلَّمُ إلينا عنِ الأعمالِ المزمَعِ القيامُ بها مِن خِلالِنا، يرسِلُ أشخاصاً ملائِكَةً ليُقَوّونا في ذلك الموقِفِ، كما يحُثُّنا على التّنبُّؤِ لمُستَقبَلِنا.


هل تمُرُّ بفترَةِ حَيرَةٍ وخَوفٍ مِن أمرٍ ما؟ هل ترغَبُ بالصّلاةِ مَعي؟ صَلِّ إن أرَدتَ ... يا ربُّ أنا اشكرُكَ لأنّكَ أرسلتَ كاتِبَ هذا المقالِ في هذا اليومِ ليُشَجِّعَني مِن خِلالِ الصّلاةِ. انا أُعلِنُ بأنّي سأُتَمِّمُ الأعمالَ التي خلَقتَنِي مِن أجلِها. سأنجَحُ في مِشوارِ التّغَيُّرِ لصورَةِ المَسيح. سأُدرِكُ على الدّوامِ بِأنّي ابْنٌ لكَ ووارِثٌ في ملكوتِكَ. ولكونِكَ مَعي، فمن عَلَيّ؟ سأتذكّرُ بأنّي شريكٌ للطّبيعَةِ الإلهيّةِ وقادِرٌ على صُنعِ مُعجِزاتٍ بقوّةِ روحِكَ القُدّوسِ. وأخيرا سأبقى مُدرِكاً أنّني بدمِكَ الطّاهِرِ الثّمينِ قد انتَصَرتُ على المَوتِ وما هي إلاّ مسألةُ وقتٍ وأكونُ في مَحضَرِكَ بشكلٍ دائِمٍ، أرى بهاءَكَ مع أُمِّنا العذرا وسائِرِ القِدّيسينَ الأطهارِ. آمين


هل تُدرِكُ أنّكَ في المسيحِ يسوعَ صِرتَ مَبنِيّاً على أساسِ الرّسُلِ والأنبياءِ ويسوعَ المسيحِ نفسِهِ حجَرِ الزّاويَةِ؟ أفسس ٢: ٢٠ قد تشعُرُ أنَّ البناءَ لا يزالُ في مراحِلِهِ الأولى؛ وَلِّدِ الأشواقَ والإرادَةَ لاستكمالِ بنائِكَ الروحِيِّ، لأنّ هذا البناءَ هو لغرضِ جعلِكَ بركَةً للكثيرينَ وإعطائِكَ أمجادا مِن قِبَلِ الملكوتِ. هل فكّرتَ في يومٍ أنَّ لَقَبَكَ الْجَديدَ هو "قديسٌ" فَكِّر بهذا اللّقَبِ على الدّوامِ، رَدِّد باستمرارٍ: "أنا مَدعُوٌّ مِنَ السّماءِ قديساً، لذلك سأسعى لعيشِ هذا اللَّقَبِ".

هناكَ قِصّةٌ رائِعَةٌ وردَت في سِفرِ صَموئيلَ الأوّلِ بالأصحاحِ الأول، هذهِ القصّةُ صَنَعَت نبِيّاً مِن بِضعِ كلماتِ تشجيعٍ؛ إذ نقرأ في الأصحاحِ الأولِ كيف كانت حنّةُ والدَةُ صَموئيلَ النّبِيِّ مُرَّةَ النّفسِ لعَدَمِ قُدرَتِها على الإنجابِ، ولكِنْ هناكَ شيءٌ حصَلَ في كِيانِها بعدَما تحدّثَ إليها زوجُها قائلا: "فَقَالَ لَهَا أَلْقَانَةُ رَجُلُهَا: «يَا حَنَّةُ، لِمَاذَا تَبْكِينَ وَلِمَاذَا لاَ تَأْكُلِينَ وَلِمَاذَا يَكْتَئِبُ قَلْبُكِ؟ أَمَا أَنَا خَيْرٌ لَكِ مِنْ عَشَرَةِ بَنِينَ؟». فَقَامَتْ حَنَّةُ بَعْدَمَا أَكَلُوا فِي شِيلُوهَ وَبَعْدَمَا شَرِبُوا، وَعَالِي الْكَاهِنُ جَالِسٌ عَلَى الْكُرْسِيِّ عِنْدَ قَائِمَةِ هَيْكَلِ الرَّبِّ، وَهِيَ مُرَّةُ النَّفْسِ. فَصَلَّتْ إِلَى الرَّبِّ، وَبَكَتْ بُكَاءً وَنَذَرَتْ نَذْراً وَقَالَتْ: «يَا رَبَّ الْجُنُودِ، إِنْ نَظَرْتَ نَظَراً إِلَى مَذَلَّةِ أَمَتِكَ، وَذَكَرْتَنِي وَلَمْ تَنْسَ أَمَتَكَ بَلْ أَعْطَيْتَ أَمَتَكَ زَرْعَ بَشَرٍ، فَإِنِّي أُعْطِيهِ لِلرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ، وَلاَ يَعْلُو رَأْسَهُ مُوسَى». ١ صَموئيل ١: ٨-١١"


كلماتُ ألقانَةَ زوجِ حَنّةَ كانت بالنسبَةِ لي كلماتِ الرّبِّ، وكأنَّ الربَّ يسوعَ يقولُ لهَا أيُّهُما أعظَمُ في عينَيكِ؟ أنا أمِ الطِّفلُ؟ مَن تضِعينَ أوّلاً؟ فوضَعَتِ الرّبَّ أوّلاً حينما نذَرَتِ ابْنَها البِكرَ لتقولَ له: "صحيحٌ أنا مُرَّةُ النّفسِ ولكنكَ تبقى الأوّلَ في حياتي ولن يَملِكَ على قَلبي شخصٌ سِواكَ. فنلاحِظُ تشجيعَ الربِّ لهذِهِ المرأَةِ مِن خِلالِ زوجِها جعَلَها تُنجِبُ أحَدَ رِجالِ اللهِ الممَيّزينَ، بل وجعَلَ أُمَّنا العذرا مَريَم تستَنبِطُ مِن نشيدِها الوارِدِ في الأصحاحِ اللّاحِقِ.


شَجِّعِ الآخَرينَ كُلَّما استَطَعتَ. هناك الكثيرُ مِمَّن نلتَقيهِم يومِيّاً بحاجَةٍ للتّشجيعِ، اِبدَأْ بعائِلَتِكَ، شريكِ الحَياةِ، الاولادِ والآخَرينَ، لأنَّ تشجيعَكَ للآخَرينَ سيَملَؤكَ بقُوّةِ المَلكوتِ ويجلِبُ لك تشجيعاتِهِ عندَ الحاجَةِ. أعرِفُ شخصاً يستثمِرُ اِحدَى وَزناتِهِ بزيارَةِ المَرضَى والصّلاةِ معَهُم وتشجيعِهِم، لأنَّ الرّبَّ يَدعونا دوماً لنُعطِيَ على الأرضِ ما نستقبِلُهُ في مخادِعِنا مِنَ السّماءِ.


أفضَلُ أنواعِ النّقدِ البَنّاءِ هو مِن خِلالِ البَدءِ بالتّشجيعِ. فيبدَأُ النّاقِدُ بالإشادَةِ بإيجابياتِ ذلكَ الشّخصِ ثُمَّ يبدَأ بسردِ الأمورِ السَّلبِيّةِ مُبَيِّناً أنّها لم تَعُد لائقَةً بهِ. هكذا طرحٌ يُزيلُ المشاعِرَ السَّلبِيّةَ للمُتَلَقِّي ويُشعِرُهُ بمحبَّةِ النّاقِدِ الرّاغِبِ له بالتّطَوُّرِ.


الربُّ يرغبُ بتشجيعِكَ عزيزي المستمِعَ في هذا اليومِ. هل تستَمِعُ لصوتِهِ؟ هل تتقدّمُ له بقلبٍ قد جعلَ الربَّ مُتَّكَلَهُ والمالِكَ الوَحيدَ على كِيانِهِ؟ هو راغِبٌ لكَ بتكثيفِ استماعِكَ لصوتِهِ كي يغمُرَكَ بعباراتِ التّشجيعِ اليومِيِّ. هو يدعوكَ ألّا تطلُبَ كثيراً وقتَ الصّلاةِ بلِ ارجَعْ كالطّفلِ وَارْتَمِ في أحضانِهِ واسْتَمتِعْ بمحبَّتِهِ، حينَها هو مَن سيُلاحِظُ جراحاتِكَ ويقومُ بتطبيبِها حتى مِن دونِ أن تسأَلَ.


إلى أن يحينَ موعِدُ لقائِنا المُقبِلِ، لكُم مِنّي كُلَّ الحُبِّ.

 

لتحميل نسخة المقال يرجى الضغط هنا