كيف يتجدد ذهن أنسان الله

Hits: 1004

كيف يتجدّدُ ذِهنُ إنسانِ اللهِ - بقلم: ليث مقادسي

منذُ بدءِ الخليقَةِ والرّبُّ يُعرِبُ عَن رَغبَتِهِ في إنشاءِ عَلاقَةٍ مع خَليقَتِهِ لإنّهُ ببساطَةٍ خَلَقَهُمْ لإتمامِ مَشيئَتِهِ عَلى الأرضِ، وَبالتّالي يَنعَمونَ بِأَمجادِ تلكَ العَلاقَةِ. دَعوَةُ اللهِ لكلِّ مُؤمِنٍ في هذا اليومِ هيَ: "19فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ». آمِينَ. متى ٢٨: ١٩-٢٠، أي إيصالُ بِشارَةِ الملكوتِ بِطريقَةٍ عَمَلِيَّةٍ تَحكِي اخْتِبارَ كُلِّ شَخصٍ مِنّا حَسَبَ مَواهِبِهِ.

هناكَ فَرقٌ بينَ الموظَّفِ والشّريكِ، فنُلاحِظُ الأولَ يعملُ الواجباتِ المناطَةِ بِهِ وَيَنتَظِرُ اسْتِلامَ راتِبِهِ في نِهايَةِ الشّهرِ، بينَما الشَّريكُ يَستَشعِرُ حالَ الشّرِكَةِ ويُفَكِّرُ للمُستَقبَلِ في توسيعِ وإنجاحِ تلكَ الشّركَةِ لِكَونِ عَلاقَتِهِ مع مالِكِ الشّركَةِ تختلِفُ عَن علاقَةِ الموظّفِ لكونِهِما باتا يَشترِكانِ بنفسِ الرُّؤيَةِ والهَدَفِ وباتَت مصالِحُهُما مُشتَرَكَةً، مَدخولُ الشّريكِ يكونُ بعيدَ المدَى كونُهُ يُؤَسِّسُ صَرحًا له وَلأولادِهِ بَينَما مَدخولُ الموظّفِ يَكونُ مَحدودًا بِراتِبِهِ وبَعضِ المكافَآتِ بينَ الحينِ والحينِ.

لذلكَ كَي أنَفِّذَ وصِيَّةَ الرّبِّ يجِبُ أن أفَكِّرَ بأُسلوبِ الشّريكِ وليسَ الموظَّفِ أي أنْ أكونَ مُتفانِيًا في إيصالِ كَلِمَةِ الإنجيلِ،  عَلاقَتِي مع الرّبِّ يجبُ أن تَكونَ مُتَمَحوِرَةً حولَ إتمامِ مشيئَتِهِ على الأرضِ مِن خلالي والآخَرينَ، حينَها سيتغَيَّرُ اُسلوبُ الحِوارِ في الصَّلاةِ لينتَقِلَ من تقديمِ قائِمَةِ طِلْباتِي الشَّخصِيَّةِ مُنتَظِرًا الموافَقَةَ عليها إلى الاِسْتِماعِ لِتَعليماتِهِ للخَطوَةِ التّالِيَةِ مِنَ العملِ مُؤمِنًا أنَّ الأمورَ الحياتِيَّةَ مُؤَمَّنَةٌ، وَبِفَيضٍ.

كلّما زادَتْ فترَةُ عَلاقَتِي معَ شَريكي كلّمَا تَعزَّزَتِ الثِّقَةُ المتبادَلَةُ، كذَلِكَ هُوَ الحالُ مَعَ الرّبِّ الّذِي يَرغَبُ بإنشاءِ عَلاقَتِهِ مَعَنَا مُنذُ مُقتَبَلِ العُمرِ كَمَا صَنَعَ مَع جِدعونَ، يوسُفَ، داوُدَ، دانيالَ والكَثيرينَ. ليسَ هذا فَحَسبُ بل لكي نُنجِزَ تلكَ المهَمَّةَ عَلينا بعيشِ الكلمَةِ لِكيما نستطيعُ ايصالَها للآخَرينَ بشكلِهَا المُعاشِ وهذا يحتاجُ اختباراتٍ كثيرةً وقراءَةً مستفيضَةً للإنجيلِ المقدّسِ.

قبل أيّامٍ كنتُ جالِسًا معَ احَدِ الأصدقاءِ الذي يمُرُّ بمرحَلَةٍ صعبَةٍ في حَياتِهِ على الصَّعيدِ الصِّحّيِّ، العائِلِيِّ والمادِّيِّ. فأعرّبَ لي عن حاجَتِهِ للإيمانِ فقُمتُ بإعطائِهِ بعضِ وصايا الرّبِّ يسوعَ المسيحِ التي كنتُ قَد عِشتُهَا شَخصِيًّا وتَلَمَّستُ ثِمارَها، أوّلُهَا هو الاتِّكالُ الكاملُ عليهِ ورَمْيُ الحِمْلِ بالكامِلِ عندَ قَدَمَيهِ، فآمَنَ بكلامِ الرّبِّ مِن خلالِي، وسريعًا استشعَرَ استجابَةً مِنَ الربِّ بعدَ أقَلَّ مِن ساعَةٍ، كما قَدّمتُ لَهُ رؤيَةَ الرّبِّ على الصّعيدِ المالِيِّ، فآمنَ بها وطبَّقَها، وبدأ باختِبارِ ثِمارِها في اليومِ التّالي. كيف تمَّ كلُّ ذلِكَ؟ هو كان يصَلِّي للرّبِّ الذي انَا شريكٌ لهُ فقامَ اللهُ بتقديمِ الإجاباتِ لهُ مِن خلالِي. كيفَ تَحسَّستُ ذلكَ؟ كونُهُ اخبَرَنِي بأنَّ كلامِي كانَت فيه قوةً على حياتِهِ قادَتهُ للإيمانِ وتطبيقِ كلامِ الربِّ.

هذه الشراكةُ بها اِلتزاماتٌ مِن قِبَلِ الطّرَفَينِ يتِمُّ التّعرُّفُ عليها من خلالِ قراءَةِ عَقدِ الشَّراكَةِ، فَهمُهُ وَمِن ثَمَّ توقيعُهُ. عَقدُ الشّراكَةِ معَ الربِّ هو الإنجيلُ المقدَّسُ الذي عَلَينا اللّهجُ بِهِ نهارًا وليلاً كي نتعرّفَ على كافَّةِ تفاصيلِهِ، نفهمَهَا ومن ثَمَّ نُسَلِّمُ حياتَنا للرّبِّ لغرَضِ عيشِها فنكونُ كأنَّنَا قد وَقَّعنَا عَقدَ شَراكَةٍ. دَعْنِي أسألُكَ عزيزي المستمِعَ، إنْ كنتَ شريكًا لأحَدِ الرّؤساءِ أوِ الملوكِ فَهَل تَقلَقُ مِن أيِّ عَوَزٍ مادِّيٍّ؟ بالتاكيدِ لا، كونُهُ قادِرًا على تأمينِ أيِّ احتياجٍ، فما بالُكَ بشَراكَةٍ مع مَلِكِ الملوكِ ورَبِّ الأربابِ القادِرِ على كُلِّ شَيءٍ، هذِهِ الشّراكَةُ تنظُرُ للمُستقبَلِ البَعيدِ أيِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ كونُ استثماراتِ الشّراكَةِ على الأرضِ تُجنَى ثمارُها في مَلكوتِ السَّماءِ.

الاجتهادُ في تنفيذِ مَسؤولياتي يجعَلُ الطّرَفَ الاخَرَ فَخورًا بتلكَ الشّراكَةِ ويُوسِّعُ تُخومَ العَملِ، فنلاحظُ اللهَ يبدَأُ بفتحِ أبوابٍ جديدَةٍ للخدمَةِ لم تَكُنْ تخطُرُ على بالِنَا، كونُ ثقَةِ الشَّراكَةِ قد تَعزَّزَت، وباتَ فَرِحًا بالاِنجازاتِ. فهل ترغَبُ عزيزي المستمعُ بنوالِ شرفِ الشراكةِ المقدسةِ مع الربِّ؟ صلِّ مَعي إن أردتَ ... يا إلَهِيَ العظيمَ أنَا اُؤمنُ إنّني موجودٌ على الأرضِ في هذا الزمانِ لإتمامِ مشيئَتِكَ، فأَرشِدْني للخَطوَةِ الاُولَى لتحقيقِ شراكَتِهِ المقدّسَةِ معكَ لكي أنعَمَ بِأمجادِهَا وبَركاتِها الأرضيَّةِ والأزلِيَّةِ. آمين

إدراكُ أنَّ الإيمانَ هو شيءٌ يَنمُو:

هل تعتقدُ عزيزي إنَّ الايمانَ ينمُو؟ نَعم يَنمُو مع امْتدادِ علاقَتِنا الشّخصيّةِ معَ اللهِ الآبِ. أعرِفُ شابًّا صَغيرًا في عُنفوانِ شَبابِهِ كانَ يُحدِّثُني بِأنَّهُ يُتابعُ نشاطاتِ اَحَدِ الأشخاصِ المُبدِعينَ عَبرَ اليوتيوب، إذْ يقومُ الأخيرُ بِبَثِّ جَولاتِهِ وحياتِهِ الخاصَّةِ ليُشارِكَها مَعَ الّذينَ من عُمرِهِ، فحذّرتُهُ مِن أن تُؤَثِّرَ تلكَ المتابعَةُ على عَلاقَتِهِ بالربِّ فقال لي إنّهُ لا يوجَدُ شَيءٌ قادرٌ على زعزعَةِ إيمانِهِ كونُ نُمُوِّهِ الرّوحِيِّ قد صارَ قادِرًا على التّصدّيِ لأيِّ فِكرٍ غريبٍ.

كيف نَمَى ايمانُ هذا الشابِّ؟ كونُهُ قد عقدَ العزمَ على تجديدِ ذِهنِهِ، وهناكَ الكثيرُ من الحقائِقِ باتَت مُثْبَتَةً بالنسبةِ له، هذا لا يعني انه باتَ مُحصنًا، لأنَّ العدُوَّ الروحِيَّ يجولُ طَوالَ الوقتِ ليقتَنِصَ الذين قرّرُوا عيشَ حياتِهِم بحَسَبِ مشيئتِهِم مِن دونِ الشّعورِ للحاجَةِ لصوتِ اللهِ وإرشادِهِ. مثلُ هؤلاءِ يكونونَ ضُعفاءَ أمامَ إبليسَ، ولكنْ نَرى يوسُفَ ابنَ يعقوبَ، داودَ الملِكَ، دانيالَ والكثيرَ مِن شبابِ الكتابِ المقدسِ كان نُمُوُّهُمْ مثالِيًّا، كونُ عَلاقَتَهِمِ الحَميمَةِ مَع مصدَرِ الغِذاءِ الرّوحِيِّ كانَت قويَّةً.

في أحيانٍ يَطلُبُ مَنّا أولادُنا أشياءَ أكبَرَ مِن أعمارِهِم وهُم لا يَرَوْنَهَا تفوقُ عُمرَهم بل لديهِم كاملُ الثِّقَةِ بِأنّها لَهُم، ولكنَّ مَحبَّتَنَا لهم تَجعَلُنا نرفُضُ تَأمينَها لِحينِ بُلوغِهِم سِنًّا مُعَيّنًا، مثلَ قيادَةِ السّيارَةِ، فالشّابُّ الذي يُدرِكُ أنَّ الموضوعَ يَحتاجُ إلَى نُمُوٍّ للوُصولِ لذلكَ الهدفِ فَإنَّهُ سَيصبِرُ وَثِقَتُهُ تكونُ كامِلَةً بحُصُولِهِ على إجازَةِ قِيادَةِ السّيّارَةِ حينَما يَصِلُ لذلِكَ العُمرِ، كذلكَ هو الحالُ في التّعامُلِ مع أبينَا السَّماوِيِّ فَإنَّهُ أحيانًا يَمنَعُ عَنّا أشياءَ كانت تَبدُو كأنّها لنا ولكِنَّ الحقيقَةَ تقولُ إنّنا لم نَصِلْ لنُضوجٍ روحِيٍّ كافٍ، إدراكُ الحقيقَةِ يَاتِي مَع الوقتِ.

إدراكُ أنَّ الايمانَ شيءٌ ينمُو سيَجعَلُني أُواجِهُ التّجارِبَ بِمَنظورٍ إيجابِيٍّ، ولكنْ كيفَ يَتِمُّ هذا الموضوعُ عملِيًّا وَكيفَ لي أن أرَى الْجَانِبَ الإيجابِيَّ وَسَطَ عاصِفَةِ التّجرِبَةِ؟ الجوابُ هو حينَما ألْتَصِقُ بالرّبِّ اكثرَ، كالطِّفلِ السّائِرِ مع أبيهِ فَتَهُبُّ عاصِفَةٌ، فَإنَّه تَلقائِيًّا يَلتَصِقُ بِأبيهِ للاحتِماءِ، كونُهُ أدرَكَ أنَّ نُضوجَهُ لا يَسمَحُ له الخروجَ مِن هَذِهِ العاصفَةِ بمُفرَدِهِ، ولكِنْ بمجرَّدِ اِلتِصاقِهِ بِأبيهِ سيُعطيهِ الثِّقَةَ والسَّلامَ ويُسَلِّمُ كلَّ شيءٍ لهُ. الآبُ لَن يَكتَفِيَ بِحِمايَةِ ابنِهِ بَل سيُرشِدُهُ ويُدرِّبُهُ على كيفيَّةِ التّعامُلِ مع هذه العواصفِ، حينَها سيُحوِّلُ تلكَ العاصفَةَ إلى وَرشَةِ عملٍ تقودُهُ لنُمُوٍّ روحِيٍّ جديدٍ.

لا يوجَدُ نمُوٌّ من دونِ غِذاءٍ، فالعقلُ الهندسيُّ يحتاجُ إلَى غِذاءٍ خاصٍّ يجعلُهُ قادِرًا على التّحليلِ والابتكارِ. مِن هنا نَجِدُ أنَّ كلياتِ الهندسةِ تركزُ على مادةِ الرياضياتِ؛ الذينَ يمارسون كمالَ الأجسامِ يستخدمونَ غذاءً خاصًّا لبناءِ عضلاتٍ مميزةٍ، هذا الغذاءُ لم يبتكروهُ هُم بلِ الخُبراءُ، كذلك هو الحالُ على النّطاقِ الرّوحِيِّ فإننا بحاجَةٍ للرُجوعِ للخالِقِ كَي يُرشِدَنَا لمصادِرِ الغِذاءِ الرّوحيِّ الصّحيّةِ والبنّاءَةِ. البارحةُ كنتُ اُصَلِّي، فوجَّهَنِي الربُّ للصّومِ كي اَتهيّأَ لانتقالَةٍ روحيّةٍ جديدَةٍ: إدراكُ انَّ الايمانَ شيءٌ ينمو لَن يجعلَنِي اقرأُ الكتابَ المقدسَ مرةً واحدةً وَأضَعُهُ على الرّفِّ، بل اَتَّخِذُهُ مَنهجًا يومِيًّا لِلَّهجِ، أي قراءَةٌ مع تحليلٍ، فهمٌ وتطبيقٌ. 

كنتُ في زيارةٍ لأحدِ الأقارِبِ المولَعينَ بزراعَةِ الخَضرواتِ المنزِليّةِ فكانَ يُحَدِّثُني عنِ الطَّعمِ الشّهِيِّ والْجَودَةِ العالِيَةِ لهذِهِ المحاصيلِ ولكنّهُ شرحَ لي أهمِيَةَ إزالَةِ أيِّ عائقٍ للنّمُوِّ كالأعشابِ الضّارَّةِ، هذا على النِّطاقِ الزّراعِيِّ ولكنْ ما الذي يُعيقُ نموَّنَا الرّوحِيَّ؟ الجوابُ هو نظرَتُنا للآخَرينَ بِعيونِنا البشريّةِ، هذه النظرَةُ ستجعلُنا نحقُدُ عليهِمْ ونكرَهُهُم إن أساؤُوا لَنا، سنحسِدُهُم إنْ تَفَوّقوا علينا، والكثيرُ مِنَ الثِّمارِ التي تُنتِجُها تلكَ النّظرةُ، مِن هنا مَطلوبٌ تجديدُ الذِّهنِ والنَّظَرِ لِهؤلاءِ بِعَينَيِ الرّوحِ القدسِ السّاكِنِ في هياكِلِنا الذي سيوجِّهُ أنظارَنا للعدوِّ الرّوحِيِّ الذي يتسلطُ على بعضِنا لإعاقَةِ نُموِّنَا الروحِيِّ فيجعلُنا نباركُ الأشخاصَ وننتهرُ روحَ الشرِّ فنُزيلُ تِلكَ العوائِقَ. 

الأهلُ يفرحون كثيرا وهم يشاهدون اولادَهُم ينمُونَ بشكلٍ صحيٍّ، كذلك فإنَّ أبانا السَّماويَّ يفرحُ كثيرًا كلّما تقدّمنا لمرحَلَةٍ جديدَةٍ، إدراكُ انَّ النموَّ الصحيحَ يُفرِحُ قلبَ اللهِ سيجعَلُنِي جادًّا وصادقًا مع نفسي. حينما كنتُ في المرحلةِ الدراسيةِ، كانت ثقةُ الأهلِ عاليةً جدًّا بأنني سانجحُ دومًا بتفوقٍ، ولكونِ هذا الشيءِ يفرِحُ قلبَهُم وأنَا احبُّهُم وارغبُ برؤيتِهِم فَرِحينَ وضعَ عليَّ مسؤوليَّةَ الاجتهادِ الدائمِ لتحقيقِ هذا الهدفِ، مِن هُنا محبّتُنَا للهِ الآبِ لن تجعلَنَا فقط نطبّقُ أعظَمَ وصيَّةٍ في الكتابِ المقدّسِ وهي: "تُحِبُّ الرَّبَّ إلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ" تثنية ٦: ٥ بَل نختبرُ نمُوَّ انْعِكاسِ محبَّةِ اللهِ الآبِ مِن خلالِنَا للآخَرينَ.

إدراكُ اهمِيَةِ تثبيتِ القلبِ نحوَ الربِّ:

تثبيتُ القلبِ نحوَ الربِّ يجبُ انْ يُصبِحَ نسَقًا يومِيًّا، هذا النسقُ يتعزّزُ أوقاتَ التّجارِبِ، لنقرأْ هذِهِ القصَّةَ:

«22وَلِلْوَقْتِ أَلْزَمَ يَسُوعُ تَلاَمِيذَهُ أَنْ يَدْخُلُوا السَّفِينَةَ وَيَسْبِقُوهُ إِلَى الْعَبْرِ حَتَّى يَصْرِفَ الْجُمُوعَ. 23وَبَعْدَمَا صَرَفَ الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ مُنْفَرِداً لِيُصَلِّيَ. وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ كَانَ هُنَاكَ وَحْدَهُ. 24وَأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ قَدْ صَارَتْ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ مُعَذَّبَةً مِنَ الأَمْوَاجِ. لأَنَّ الرِّيحَ كَانَتْ مُضَادَّةً. 25وَفِي الْهَزِيعِ الرَّابِعِ مِنَ اللَّيْلِ مَضَى إِلَيْهِمْ يَسُوعُ مَاشِياً عَلَى الْبَحْرِ. 26فَلَمَّا أَبْصَرَهُ التَّلاَمِيذُ مَاشِياً عَلَى الْبَحْرِ اضْطَرَبُوا قَائِلِينَ: «إِنَّهُ خَيَالٌ». وَمِنَ الْخَوْفِ صَرَخُوا! 27فَلِلْوَقْتِ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «تَشَجَّعُوا! أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا». 28فَأَجَابَهُ بُطْرُسُ: «يَا سَيِّدُ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ هُوَ فَمُرْنِي أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ عَلَى الْمَاءِ». 29فَقَالَ: «تَعَالَ». فَنَزَلَ بُطْرُسُ مِنَ السَّفِينَةِ وَمَشَى عَلَى الْمَاءِ لِيَأْتِيَ إِلَى يَسُوعَ. 30وَلَكِنْ لَمَّا رَأَى الرِّيحَ شَدِيدَةً خَافَ. وَإِذِ ابْتَدَأَ يَغْرَقُ صَرَخَ: «يَا رَبُّ نَجِّنِي». 31فَفِي الْحَالِ مَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَأَمْسَكَ بِهِ وَقَالَ لَهُ: «يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ لِمَاذَا شَكَكْتَ؟» 32وَلَمَّا دَخَلاَ السَّفِينَةَ سَكَنَتِ الرِّيحُ. 33وَﭐلَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ جَاءُوا وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ: «بِالْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللَّهِ!». متى ١٤: ٢٢-٣٣

من خلالِ هذِهِ القصَّةِ نفهَمُ كيفيّةَ تثبيتِ القلبِ نحوَ الرّبِّ، وهيَ البصيرةُ! أشارَ علينا الربُّ بِأنْ نُركّزَ عليهِ حينَما قال: «فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ وَلَكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ» يوحنا ١٦: ٣٣ أي لا تَنظُرُوا للعالَمِ المحيطِ بِكُم بل ثبِّتُوا قلبَكُم على الذي قَد غلبَ العالمَ. تثبيتُ القلبِ هو تسليمُ واقِعِ الحالِ بيدِ الربِّ بالكامِلِ ونِسيانِ الموضوعِ من خلالِ عيشِ سلامِ الاتّكالِ عليهِ.

ما الذي يحصَلُ حينما يكونُ القلبُ مشتّتًا؟ يُؤْذِي نفسَهُ ويؤثِّرُ على عمَلِ الربِّ مِن خلالِهِ أي يؤثِّرُ على الثَّمَرِ الروحيِّ الذي يُنجَزُ على الأرضِ وتُجنَى ثِمارُهُ في الملكوتِ، وبالتالي يفقُدُ سلامَهُ، لماذا؟ لأنَّ الربَّ يسوعَ المسيحِ قالَ: "«تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. 29اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. 30لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ» متى ١١: ٢٨-٣٠" لاحِظْ أنَّ الربَّ يربُطُ سعادَتَنا وراحتَنا بِحَملِ نِيرِهِ والسَّيرِ بِخُطاهُ، أعظَمُ شيءٍ يُفرِحُ قلبَ المؤمِنِ هو تعظُّمُ عملِ الربِّ مِن خلالِهِ. مِن هنا إبليسُ يحاولُ جاهدًا إفسادَ هذا الموضوعِ، فركِّزْ على الربِّ.

الربُّ يفرحُ كثيرًا حينَما نُثَبِّتُ قلبَنا نحوَهُ أي ناظِرينَ الأمجادَ الأزليَّةَ غيرَ مُهتَمّينَ لِلعَثَراتِ الأرضيَّةِ، تفاعُلُ الربِّ مع ذلك الثَّباتِ يكونُ الأقصَى كالرّنينِ الِمغناطيسيِّ الذي يُنتِجُ طاقةً عُظمَى حينَما يكونُ هناكَ تجانسًا معيّنًا بينَ المتّسعَةِ والملفِّ، هذا الانسجامُ مبنيٌّ على الإلغاءِ، أيِ التّخلّصِ مِن شيءٍ، حينَها ستحصَلُ طاقةٌ عُظمَى تُستَخدَمُ في البَثِّ الإذاعيِّ لنَقلِ التّردّدَاتِ لمسافاتٍ أبعَدَ. كذلك هو حالُ الثّابِتينَ مع الربِّ فَإنّهُ يجعَلُهُم نورًا للعالَمِ.

تَثبيتُ القلبِ لهُ عَلاقَةٌ مباشرَةٌ بمحبّتِنَا للربِّ. دَعنِي أسألُكَ عزيزي المستمِعَ، هل تعيشُ للرّبِّ؟ أي تَركتَ كلَّ شيءٍ وتَبِعتَهُ؟ إنْ لَم تَصِلْ لهذا المستوى فَهِيَ دعوَةٌ للتّأمّلِ بما صَنَعهُ الربُّ مِن أجلِنَا على الصّليبِ ومدى المحبَّةِ التي قدَّمَها لَنا. هذا التّأمّلُ سيجعَلُنِي أُبادِلُهُ تلكَ المحبَّةَ التي قدَّمها لي وأنَا لا أزالُ خاطِئًا، حينَها سيتحوَّلُ لأنْ يكونَ محوَرَ حياتِي وتفكيري وتركيزي، مما سيُساهِمُ بشكلٍ إيجابيٍّ بثقتِي الرّاسخَةِ بِهِ.

كما أنَّ تثبيتَ القلبِ يَاتِي مِن خلالِ أعمالِ الرّحمَةِ، حيثُ أوصانا الربُّ قائِلاً:

«31وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ. 32وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ 33فَيُقِيمُ الْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْجِدَاءَ عَنِ الْيَسَارِ. 34ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. 35لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيباً فَآوَيْتُمُونِي. 36عُرْيَاناً فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضاً فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوساً فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ. 37فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ: يَارَبُّ مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعاً فَأَطْعَمْنَاكَ أَوْ عَطْشَاناً فَسَقَيْنَاكَ؟ 38وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيباً فَآوَيْنَاكَ أَوْ عُرْيَاناً فَكَسَوْنَاكَ؟ 39وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضاً أَوْ مَحْبُوساً فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟ 40فَيُجِيبُ الْمَلِكُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ».متى ٢٥

مِن هُنا مَطلوبٌ اَلانتباهُ والسَّعيُ الدّؤوبُ لأعمالِ الرّحمَةِ لأنَّها تُطبِّقُ عملِيًّا أعظمَ وصيَّةٍ في الكِتابِ المقدّسِ:  «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ» لوقا ١٠: ٢٧

اَخِي وأُختي، هل هناكَ حاجزٌ أمامَ فهمِكُم أو تطبيقِكُم لما وَرَدَ في هذهِ الحَلَقَة؟ صَلُّوا مَعِي:

يا اللهُ الآبُ أنا أشكُرُكَ مِن كُلِّ القلبِ لأنّكَ أحبَبتَنَا مَحَبَّةً مُتناهِيَةً فَساعِدْنا عَلى فَهمِ مَدَى تَأثيرِهَا عَلى حَياتِنَا الشَّخصِيَّةِ فَنعيشُ المتبَقِّي مِن حياتِنَا مُكَرَّسينَ لِعَمَلِكَ مِن خِلالِنا بِاسْمِ الربِّ يَسوعَ المسيحِ لَهُ كُلُّ المجدِ. آمينْ

ودمتم في أمجادِ الملكوتِ